ابن أبي الحديد

58

شرح نهج البلاغة

عاد ثم عاد فقال : ألا أن همي بنفسي يقتضي اهتمامي بك ، لأنك بعضي بل كلي ، فإن كان اهتمامي بنفسي يصرفني عن غيري لم تكن أنت داخلا في جملة من يصرفني همي بنفسي عنهم لأنك لست غيري . فإن قلت : أفهذا الهم حدث لأمير المؤمنين عليه السلام الان ، أو من قبل لم يكن عالما بأن الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة ؟ قلت : كلا بل لم يزل عالما عارفا بذلك ، ولكنه الان تأكد وقوي بطريق علو السن وضعف القوى ، وهذا أمر يحصل للانسان على سبيل الايجاب ، لا بد من حصوله لكل أحد ، وإن كان عالما بالحال من قبل ، ولكن ليس العيان كالخبر . ومن مستحسن ما قيل في هذا المعنى قول أبي إسحاق الصابئ : أقيك الردى إني تنبهت من كرى * وسهو على طول المدى اعترياني فأثبت شخصا دانيا كان خافيا * على البعد حتى صار نصب عياني هو الاجل المحتوم لي جد جده * وكان يريني غفلة المتواني له نذر قد آذنتني بهجمة * له لست منها آخذا بأمان ولا بد منه ممهلا أو معاجلا * سيأتي فلا يثنيه عني ثان وأول هذه القصيدة وهو داخل له في هذا المعنى أيضا : إذا ما تعدت بي وسارت محفة * لها أرجل يسعى بها رجلان وما كنت من فرسانها غير أنها * وفت لي لما خانت القدمان نزلت إليها عن سراة حصاني * بحكم مشيب أو فراش حصان ( 1 ) فقد حملت مني ابن سبعين سالكا * سبيلا عليها يسلك الثقلان

--> ( 1 ) د : " بحلم " .